سيدى عبد الواحد يحي(رينيه جينو)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

سيدى عبد الواحد يحي(رينيه جينو)

مُساهمة  osama.kholef في الجمعة نوفمبر 14, 2008 11:35 am






"رينيه جينو".. الصعود إلى النور

ياسر حجازي




رينيه جينو أو الشيخ عبد الواحد يحيى

يُعد العلامة الفرنسي رينيه جينو -أو العارف بالله الشيخ عبد الواحد يحيى كما كان يسميه الإمام عبد الحليم محمود رضي الله عنهما- حُجة الأديان عامة وحجة الإسلام خاصة في القرن العشرين. ولعل الاسم الذي اختاره لنفسه بعد اعتناقه الإسلام يلخص كل حياته في عبارة وجيزة هي: "عبد الواحد يحيى"؛ فذلك هو الطريق الذي سلكه وقاده في هدوء وسكينة بعيدًا عن صخب الحياة وصراعاتها ليعبد الواحد الذي لا شريك له، ويحيا في بحثه عن الحق والحقيقة، وكأنه قد مارس قوله "إنه لكي يدرك الإنسان كنه النور عليه محاولة الصعود إلى مصدره في تجربة ذاتية منفردة".
لم يكن انتقال رينيه جينو من المسيحية إلى الإسلام بعد أن درس الماسونية وفلسفات الشرق القديم من قبيل التذبذب وعدم الاستقرار أو حبا في التغيير، وإنما بحثا عن الحقيقة المفقودة، تلك الحقيقة التي كانت تربط الإنسان قديما بالكون الواسع في توازن حكيم ثم انقطع خيطها في ضغط هذا العصر الغارق في الماديات، إنه عبد الواحد يحيى الذي اعتنق الإسلام ووضع خطة لبناء المسجد الكبير في باريس قبيل الحرب العالمية الأولى وإنشاء جامعة إسلامية في فرنسا.

خطواته الأولى

ولد رينيه جينو في 15 نوفمبر عام 1886م بمدينة بلوا جنوب غرب باريس ونشأ في أسرة كاثوليكية محافظة، وكان رينيه ضعيف البنية؛ وهو ما عطّل التحاقه بالمدرسة فتولت عمته "دورو" تعليمه القراءة والكتابة في منزلها الجميل على ضفاف نهر اللوار حتى بلغ الثانية عشرة من العمر.

وما إن بلغ السادسة عشرة من عمره حتى التحق بكلية "رولان" Rollin College في باريس ليعد شهادة الليسانس في البكالوريا شعبة الفلسفة كما حصل على البكالوريا في الرياضيات المتخصصة، إلا أن دراسته في ذلك الوقت قد عرفت الخط الذي سيصبح طريقه إلى البحث المتواصل، فلم يكتف بالدراسة الجامعية وراح ينهل من العلم في باريس الزاخرة بالمعلمين والمرشدين من الشرق والغرب.

وما إن وصل إلى العشرين من العمر حتى كان قد تشرب أساسيات تكوينه الروحي وبدأ رحلته في البحث والتنقيب بين المنظمات المختلفة لمعرفة ما إذا كانت ذات طابع أصيل أم لا، إذ لم يعد رجال اللاهوت الكنسي قادرين على تقديم إجابات مقنعة لأسئلته فقرر الابتعاد ومحاولة البحث بنفسه عن اليقين المطلق في غياهب المجهول، وراح يدرس أهم المذاهب الدينية والفلسفات الروحية قبل أن يستقر به المطاف في رحاب الإسلام ليصبح واحدًا من أهم متصوفي العصر الحديث.

في الطريق..

ففي عام 1906م خالط المدرسة الحرة للدراسات الغيبية ليابوس وانتقل إلى منظمات أخرى كالمارتينية والماسونية التابعة للطقس المعروف باسم الطقس الوطني الإسباني، وفي عام 1908م انضم إلى المحفل الماسوني الكبير في فرنسا، كما انضم إلى الكنيسة الغنوصية وهي كنيسة قائمة على المعرفة من أجل الوصول والرقي لمعرفة الله سبحانه وتعالى؛ أي إنها قائمة على عكس الكنيسة السائدة التي تؤمن بتجسد الله عز وجل إلى بشر وما إلى ذلك، وفي نفس هذه الفترة التقى العديد من الشخصيات التي سمحت له بتعميق معرفته بمذهب الطاوية الصيني وبالإسلام.

بدأت أول أعمال رينيه جينو بالظهور عام 1909 حيث أصدر تقريرين علميين في مجلة "سلوك" ومناظرة في مجلة "أكاسيا" ورسالة توضيحية في مجلة "فرنسا المسيحية اللاماسونية"، وكان يوقع أعماله باسم "أبي الهول".

ومع نهاية عام 1909م عين رينيه جينو أسقفا غنوصيا بكنيسة الإسكندرية الغنوصية، فأسس مجلة الغنوص وأصدر مجموعة من الأبحاث في هذه المجلة وكان حكمه على هذه الكنيسة انتقادا قويا، على اعتبار أن المذاهب الروحية الحديثة ليست إلا مادية جديدة في مستوى آخر وهمها الوحيد أن تطبق على الروح منهاج العلم الوضعي.

لحظة التنوير

كانت معرفته بالمفكر والرسام السويدي "جان جوستاف أجلي" الذي اعتنق الإسلام عام 1897 فصار اسمه عبد الهادي -والذي كان يشارك في تحرير مجلة عربية إيطالية باسم "النادي"- لها الأثر الأكبر في إسلامه، خاصة أن جينو نشر العديد من المقالات عن المتصوف العربي الشهير محيي الدين بن عربي.

كان جينو إذ ذاك يصدر مجلة باسم "المعرفة" فأخذ عبد الهادي في عام 1910 يساهم فيها بجد ونشاط ونشر فيها أبحاثا وترجمة لكثير من النصوص الصوفية إلى اللغة الفرنسية، ومن هنا تمكن عبد الهادي من أن يعقد بين جينو والشيخ عليش الذي أسلم هو على يديه صلة قوية متينة عن طريق تبادل الرسائل والآراء، وكانت النتيجة أن اعتنق جينو الدين الإسلامي عام 1912 بعد أن درسه دراسة مستفيضة.

يقول الإمام عبد الحليم محمود عن سبب إسلام رينيه جينو: "وكان سبب إسلامه بسيطا ومنطقيا في آن واحد، لقد أراد أن يعتصم بنص مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فلم يجد بعد دراسته العميقة سوى القرآن؛ فهو الكتاب الوحيد الذي لم ينله التحريف ولا التبديل؛ لأن الله تكفل بحفظه فاعتصم به وسار تحت لوائه فغمره الأمن النفساني في رحاب الفرقان".

صوفية في السوربون

في عام 1915 وبالتحديد في شهر يوليو حصل جينو على شهادة ليسانس الآداب في الفلسفة من جامعة السوربون الشهيرة، وتابع بعد ذلك دراسته، حيث حصل على دبلومة الدراسات العلياDES. وفي عام 1917 عين أستاذًا للفلسفة في الجزائر فقضى فيها عاما ثم عاد إلى مدينة بلوا الفرنسية، ولكن المقام لم يطب له في مدينته فغادرها إلى باريس من أجل الإعداد لرسالة الدكتوراة حول موضوع "ليبنتز والحساب التفاضلي"، ولكن بسبب استقلاله الفكري ومجاهرته بأفكاره فإن أستاذه المشرف على الدكتوراة رفض منحه تلك الشهادة، وفي عام 1918 بدأ جينو يعد لدرجة (الأجريجاسيون) في الفلسفة.

ولم يكن ذلك ليمنع الشيخ عبد الواحد يحيى من متابعة أعماله والتفرغ لأبحاثه، وكان من ثمرة هذا التفرغ أن نشر في عام 1921 كتابين أحدهما "مدخل لدراسة العقائد الهندية".

وتوالى بعد ذلك نشر كتبه وتوالت مقالاته في مختلف الجرائد، وفي سنة 1925 فتحت له مجلة "قناع أيزيس" صدرها فأخذ يكتب فيها وانتهى به الأمر في سنة 1929 إلى أن أصبح أهم محرر بها ومع هذا رفض رئاسة تحريرها.

وفي عام 1925 ألقى الشيخ عبد الواحد يحيى محاضرة من أهم المحاضرات في جامعة السوربون تحت عنوان "الميتافيزيقا الشرقية" أوضح فيها الفرق بين الشرق والغرب في المجال الغيبي، موضحا فيها أن الميتافيزيقا واحدة لا شرقية ولا غربية مثلها مثل الحقيقة الخالصة، إلا أنه يختلف مفهومها أو يختلف تناولها في كل من الشرق والغرب، واختياره لعبارة شرقية يعني به دراسة المجال الغيبي في الشرق بعامة وليس في الهند وحدها؛ فالحضارات الشرقية مستمرة بنفس تواصلها، وهي ما زالت تعد الممثل المختص الذي يمكن اللجوء إليه للتزود بالمعلومات الحقة، وذلك لأن الحضارات الغربية تفتقد هذه الأصول الممتدة.

في عام 1927 نشر كتابه "ملك العالم" أو "القطب" وصدر كتابه "أزمة العالم الحديث" الذي لقي نجاحًا كبيرًا، وقد أعيد طبعه عشرات المرات في طبعات فاخرة وشعبية، وهذا الكتاب ليس دعوة إلى الانطواء بل هو دعوة إلى الفهم الصحيح والنظر إلى الحضارة الغربية نظرة نقدية بوصفها عملا إنسانيا يحتمل النقد ولا يعلو عليه.

وجينو قد يبدو شديد الوطأة على الغربيين في نقده وتحليله، ولكن الذين يفهمون العقلية الأوروبية المعاصرة التي لا تستطيع التخلص من أوهامها الراسخة وأفكارها القديمة عن الشرق بصفة عامة والعرب والمسلمين بصفة خاصة سيدركون أن ما كتبه جينو فيه كل الإنصاف؛ لأنه لا يريد أن يهدم حضارة الغرب، ولكنه يسعى إلى إنقاذها بكل طاقته وهو يرى أن عودتها إلى الدين الصحيح هو السبيل الأقوم لتحقيق توازن في مسيرة هذه الحضارة التي يرى أنه لولا بعض العناصر الصالحة فيها لما كان لها وجود اليوم.

القاهرة.. أخيرًا

جاء عرض بيت النشر في باريس على الشيخ عبد الواحد يحيى أن يسافر إلى مصر ليتصل بالثقافة الصوفية فينقل نصوصًا منها ويترجم بعضها، فانتقل للقاهرة الصوفية في عام 1930، وكان المفروض أن يقضي فيها بضعة أشهر فقط ولكن هذا العمل اقتضاه مدة طويلة، ثم عدل بيت النشر عن مشروعه فاستمر الشيخ عبد الواحد يحيى في القاهرة يعيش في حي الأزهر متواضعا مستخفيا لا يتصل بالأوروبيين ولا ينغمس في الحياة العامة وإنما يشغل كل وقته بدراساته.

حضر عبد الواحد إلى القاهرة وحيدا ووجد الكثير من المشاق في معيشته منفردا، فتزوج سنة 1934 كريمة الشيخ محمد إبراهيم وأنجب منها أولاده الأربعة.

أراد الشيخ عبد الواحد أن ينشر الثقافة الصوفية في مصر فأسس مجلة "المعرفة" بالتعاون مع عبد العزيز الإسطنبولي ولعل اختياره لهذا الاسم يكشف عن جزء من مكنون فكره؛ فالمعرفة هي إحدى الطرق المؤدية إلى الله سبحانه وتعالى، في حين الطريق الآخر هو المحبة.

وكان برنامج المجلة بذلك يتضمن مشروعا بأسره يهدف إلى التعرف بمعرفة العلم المقدس حقا. ومكث الشيخ عبد الواحد يحيى يؤلف الكتب ويكتب المقالات ويرسل الخطابات، فكان حركة دائمة فكرية وروحانية.

نهاية الرحلة

توفي الشيخ العارف بالله عبد الواحد يحيى عام 1951 عن عمر يناهز الرابعة والستين في القاهرة محاطا بزوجته وأبنائه الثلاثة وجنين كان لا يزال في مرحلة التكوين ليرى النور، وكان آخر كلمة يتفوه بها كلمة الاسم المفرد "الله"، ووصف الكاتب المشهور "أندريه روسو" حيث كان في القاهرة إذ ذاك جنازة الشيخ عبد الواحد يحيى فكتب في جريدة الفيجارو الفرنسية يقول: "شيعت جنازته في اليوم التالي لوفاته فذبح تحت نعشه كما هي العادة كبش وأسيل دمه على عتبة المنزل، وسار في الجنازة زوجته وأطفاله الثلاثة واخترقت الجنازة البلدة إلى أن وصلت إلى مسجد سيدنا الحسين حيث صلي عليه، ثم سارت الجنازة إلى مقبرة الدراسة، لقد كانت جنازة متواضعة مكونة من الأسرة ومن بعض الأصدقاء، ولم يكن فيها أي شيخ من مشايخ الأزهر، ودفن الشيخ عبد الواحد في مقبرة أسرة الشيخ محمد إبراهيم، وكان آخر ما قال لزوجته: كوني مطمئنة لن أتركك أبدا، حقيقة أنك لا ترينني، ولكنني سأكون هنا وسأراك".

ويضيف روسو: "والآن حينما لا يلتزم أحد أطفالها الهدوء فإنها تقول له: كيف تجرؤ على ذلك مع أن والدك ينظر إليك، فيلتزم الطفل السكون في حضرة والده اللامرئي".

كان رد فعل الأوساط الثقافية في فرنسا ذا دلالة على أهميته، فبمجرد وصول الخبر حتى أخذت الصحف والمجلات تنشر مختلف المقالات عن الشيخ تحت عناوين مختلفة منها: "حكيم كان يعيش في ظل الأهرامات" و"فيلسوف القاهرة" و"أكبر الروحانيين في العصر الحديث" ووصفوه بالبوصلة المعصومة وبالدرع الحصين ثم خصصت له مجلة "إتيدتراديسيونيلEtude traditionnelle " عددا ضخما كتب فيه الكثيرون من كتاب فرنسا أروع المقالات، وهي المجلة التي تعتبر في الغرب كله "لسان التصوف الصحيح". وكذلك خصصت له مجلة "فرنسا - آسيا" عددا، ولكون "جينو" عالميا فقد أوسعت المجلتان صدرهما لكتاب الألمان والإنجليز وغيرهم من غربيين وشرقيين فكتبوا المقالات المستفيضة التي تناولت آثاره بالتحليل والتقدير والشكر له.

من أجل الإسلام

ترك الشيخ يحيى عبد الواحد العديد من المؤلفات التي ضمت بين صفحاتها دفاعا عن الإسلام وصورته لدى الغرب في مواجهة الصورة التي كان يروجها المستشرقون حول كون الإسلام انتشر بحد السيف، وأنه لا يثمر الروحانية العميقة، وأن الحضارة الإسلامية تتسم بالقوة الذاتية التي تجعلها تؤثر في أقاليم غير التي نشأت فيها، وجاءت إسهاماته في الرد على هذه الاتهامات من خلال كتبه التي من أهمها:

خطأ الاتجاه الروحاني (تحضير الأرواح)، والشرق والغرب، وعلم الباطن لدانتي، والإنسان ومستقبله وفقا للفيدانتا، وأزمة العالم المعاصر، وملك العالم، والقديس برنارد، ورمزية الصليب، والسلطة الروحية والسلطة الزمنية، وأحوال الوجود المتعددة، وعروض نقدية، وسيادة الكم وعلامات الزمان، والميتافيزيقا الشرقية، ولمحات عن التسليك الروحي، والثالوث الأعظم، ومبادئ الحساب التفاضلي، ولمحات عن الباطنية المسيحية، والبدايات دراسة في الماسونية الحرة وجماعات الأخوة (جزآن)، والصور التراثية والدورات الكونية، ولمحات عن الصوفية الإسلامية والطاوية، وكتابات متناثرة.



osama.kholef
من فريق الإشراف

عدد الرسائل : 403
تاريخ التسجيل : 16/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سيدى عبد الواحد يحي(رينيه جينو)

مُساهمة  بليـغ في السبت نوفمبر 15, 2008 7:11 pm


الله عليك يا مولانا السيد أسامة

ربنا يحفظك لنا ويبارك فيك
وتظل تمتعنا دائما بكل ما هو متميز

بليـغ
Admin

عدد الرسائل : 598
رقم العضوية : 3
تاريخ التسجيل : 19/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سيدى عبد الواحد يحي(رينيه جينو)

مُساهمة  osama.kholef في السبت نوفمبر 15, 2008 8:12 pm








osama.kholef
من فريق الإشراف

عدد الرسائل : 403
تاريخ التسجيل : 16/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سيدى عبد الواحد يحي(رينيه جينو)

مُساهمة  بالقائد في الثلاثاء نوفمبر 18, 2008 9:32 pm


بالقائد
محب أصيل

عدد الرسائل : 64
تاريخ التسجيل : 07/11/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سيدى عبد الواحد يحي(رينيه جينو)

مُساهمة  محمد سعيد عباس الديب في الخميس ديسمبر 04, 2008 10:50 am

بارك الله فيك

محمد سعيد عباس الديب
محب جديد

عدد الرسائل : 22
تاريخ التسجيل : 07/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى